ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )

55

الامامة والسياسة

فدعا الحجاج ابن عم له ( 1 ) ، كان يعرفه بالنصيحة والهوى ، فقطع معه ليلا ، وأرسله في طلب ابن الأشعث إلى مواضع شتى ، وعهد إليهم أن لا يدركوا أحدا إلا أتوا به أو برأسه أو يموت ، فوقف الحجاج طويلا في مكانه ذلك المرتفع ينظر إلى معسكر ابن الأشعث ، وأصحابه ينتهبونه ، ثم رجع إلى معسكره فنزل ، ودخل فسطاطه فجلس ، وأذن لأصحابه فدخلوا عليه ، فقام كل واحد منهم يهنئه بالفتح ، وجعل ابن جبلة يأتيه بالأسرى ، فكلما أتي بأسير أمر به فضربت عنقه ، فكان ذلك فعله يومه ذلك إلى الليل ، فلما أصبح وتراجع إليه أكثر خيله ، أمر مناديه ينادي بالقفل ، فقفل وقفلت معه أجناده ، وجميع أصحابه إلى مدينة واسط ، فكان فيها وهو الذي كان بناها ، قال : وضرب ابن الأشعث ظهرا لبطن ، ليلا ونهارا حتى لحق بخراسان ، ورجا في لحوقه بها النجاة من الحجاج ، والحذر لنفسه ، ولم يشعر بالخيل التي بعثت في طلبه حتى غشيته ، فلم تزل تطلبه من موضع إلى موضع ، حتى استغاث بقصر منيف ، فحصره ابن عم الحجاج فيه ، وأحاطت به الخيل من كل جانب ، حتى ضيق عليه ، ودعا بالنار ليحرقه في القصر ، فلما رأى ابن الأشعث أنه لا محيص له ولا ملجأ ، وخاف النار ، رمى بنفسه من بعض علالي القصر ( 2 ) ، وطمع أن يسلم ولا يشعر به فيدخل في غمار النار ، فيخفى أمره ، ويكتم خبره ، فسقط فانكسرت ساقه ، وانخذل ظهره ووقع مغشيا عليه ، قال : فشعر به أصحاب الحجاج فأخذوه ، وقد أفاق

--> ( 1 ) في الطبري : أتبعهم الحجاج عمارة بن تميم اللخمي ومعه ابنه محمد بن الحجاج . ( 2 ) في مقتل ابن الأشعث عدة روايات ذكرها الطبري 6 / 390 - 394 وابن الأثير 4 / 501 ومنها ما ذكر بالأصل . وفي رواية أخرى : أنه كان عند رتبيل رجل من بني تميم يقال له عبيد بن أبي سبيع - وهو من خواص ابن الأشعث ورسوله إلى رتبيل فخص به رتبيل وخف عليه فحاول عبد الرحمن قتله فعمل عبيد على تخويف رتبيل من الحجاج ودعاه إلى الغدر به - ( وكان ابن الأشعث قد التجأ إلى رتبيل ) وقال له : أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفن الخراج عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه ابن الأشعث فأجابه إلى ذلك . وانظر ابن الأعثم 7 / 156 . وعلى كل الأحوال لم يصل ابن الأشعث حيا إلى الحجاج ، وإنما أرسل إليه رأسه بعدما قتل ( في رواية سقط عن علالي القصر - وفي رواية أن رتبيل قتله - وفي رواية ثالثة أنه مرض بالسل ومات فحز رأسه رتبيل قبل أن يدفن . الطبري 6 / 390 ابن الأثير 4 / 502 ) . وذكروا مقتله سنة 85 . بينما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 83 ( ج 9 / 65 - 66 ) .